يستعرض تقرير “بناء جسور التواصل بين المدن: استكشاف الحلول للتحديات المشتركة”، الصادر عن المعهد العربي لإنماء المدن بالتعاون مع مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG)، الدور الحيوي الذي تؤديه الشراكات بين المدن (C2C) في تمكين المراكز الحضرية في المنطقتين العربية والأوروبية من التصدي للتحديات المشتركة. ويركّز التقرير، الذي أُعِدّ في إطار منتدى حوار المدن العربية الأوروبية (AECD)، على ثلاث أولويات مترابطة تُشكّل الركائز الأساسية للتنمية الحضرية، وهي: القدرة على التكيف مع التغيّرات المناخية، والتحول الرقمي، وتعزيز تمويل البلديات.
فيما يخص القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، يسلط التقرير الضوء على تزايد تعرُّض المدن لموجات الحر، وشُحّ المياه، والفيضانات، والظواهر المناخية القاسية، مما يشكل ضغوطًا كبيرة على البنية التحتية، والصحة العامة، والاقتصادات المحلية. ويؤكد التقرير أن الشراكات بين المدن تُسرّع جهود التكيف والتخفيف من آثار التغيرات المناخية، من خلال تمكين المدن من تبادل الحلول العملية في مجالات التخطيط الحضري المستجيب للمناخ، والتدخلات القائمة على الطبيعة، والبنية التحتية المرنة، والحصول على التمويل المناخي. وتُبيّن دراسات حالة من مدن في المنطقتين العربية والأوروبية كيف يمكن أن تُسهم البيانات المناخية المشتركة، واتخاذ القرارات المبنية على تقييم المخاطر، والتعلم من التجارب المتبادلة بين المدن في تعزيز المرونة الحضرية على المدى البعيد.
وبالنسبة للتحول الرقمي، يبرز التقرير تحوّل المدن من المبادرات الرقمية المتفرقة إلى “المدن المعرفية” المتكاملة التي توظّف الذكاء الاصطناعي بوصفه محركًا رئيسًا للتنمية. وتُظهر دراسات حالة من دبي، وأبو ظبي، وأمستردام كيف تسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتسييل البيانات وتحويلها إلى منفعة اقتصادية ملموسة، والمنصات الخدمية القائمة على احتياجات المواطن، بهدف تحسين جودة الخدمات، وترسيخ الشفافية، وتعزيز كفاءة الأداء الحكومي.
أما تمويل البلديات، فهو يشكّل أحد العوامل التمكينية البارزة التي تسهم في مختلف المجالات، لا سيما مع اعتماد العديد من المدن على التحويلات والمنح الوطنية بشكل كبير. ويشير التقرير إلى الاستراتيجيات المنفذة لتعزيز الاستقلال المالي، بما فيها: الميزانيات القائمة على الأداء، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتحصيل قيمة الأراضي، وتسييل الأصول. وتوضح تجارب صوفيا، ودبي، والرياض كيف يمكن للمدن تحقيق تمويل حضري أكثر استدامة.
وتتمثل أبرز رسائل التقرير في الإمكانات التحويلية للشراكات بين المدن، حيث يستعرض ستة نماذج للشراكة، تمتد من الشراكات الرمزية إلى تنفيذ المشاريع المشتركة، كما يحدد التقرير خمسة مبادئ جوهرية لضمان فعالية هذه الشراكات، وهي: وضوح الأهداف الاستراتيجية المشتركة، والحوكمة الرشيدة، والقدرات المتكاملة، والتمويل المشترك، والدعم المؤسسي المستدام.
وفي الختام، يعزز التقرير على أهمية الشراكات بين المدن، فهي بمثابة أداة فاعلة في تسريع الابتكار الحضري، وتعزيز المرونة، والشمول، بما يسهم في بناء مستقبل حضري أكثر تكاملاً في عالم مترابط.
